فخر الدين الرازي

133

المطالب العالية من العلم الإلهي

للخيال عن التصرف فيها ، كما أن الصور المحسوسة المأخوذة من الخارج . إذا كانت في غاية الجلاء والظهور « 1 » ] فحينئذ تعجز القوة المتخيلة عن التصرف فيها . والثاني : إن جوهر النفس الناطقة ، إذا كان في غاية القوة ، فحينئذ يقوى على منع القوة المتخيلة من التصرف في تلك الصور بالتغيير والتبديل . الفرع الثالث : إن النفوس التي ليس لها من القوة ما تقوى على الاتصال بعالم الغيب في حال اليقظة [ فربما استعانت في حال اليقظة ] بما يدهش الحس ، ويحير الخيال ، كما يستعين بعضهم بشد حثيث ، وبعضهم بتأمل شيء شفاف ، أو براق لامع ، يورث البصر ارتعاشا . فإن كل ذلك مما يدهش الخيال ، فتبتعد النفس بسبب حيرتها وانقطاعها في تلك اللحظة عن تدبير البدن ، لانتهاز فرصة إدراك الغيب . والشرط في هذا : أن يكون الإنسان ضعيف العقل ، مصدقا لكل ما يحكى له عن مسيس الجن . مثل الصبيان والنسوان والبله . فهؤلاء « 2 » إذا ضعفت حواسهم ، وكانت أوهامهم شديدة الانجذاب إلى مطلوب معين ، فحينئذ يقع لنفوسهم التفات في تلك اللحظة إلى عالم الغيب ، وتتلقى ذلك المطلوب . فتارة يسمع خطابا ، ويظن أنه من جني وتارة يتراءى له صورة مشاهدة ، فيظن أنها من أعوان الجن ، فيلقى إليه من الغيب ما ينطق به في أثناء ذلك الغشى ، فيأخذه السامعون ويبنون عليه تدابيرهم في مهماتهم . هذا منتهى ما قرره الشيخ الرئيس في هذا الباب . واعلم أن الأصل في جملة هذه التفاريع أصلان : الأصل الأول : أن يقال : هذه الصور التي يشاهدها الأنبياء والأولياء وغيرهم ليست موجودة في الخارج ، لأنها لو كانت موجودة في الخارج ، لوجب أن يدركها كل من كان سليم الحس ، إذ لو جوزنا أن لا يحصل الإدراك مع حصول هذه الشرائط ، لجاز أن يكون بحضرتنا جبال ورعود ونحن لا نراها ولا

--> ( 1 ) من ( ل ) . ( 2 ) والنسوان . والمسألة فيها أولا إذا ضعف جوابهم ( ت ) .